في حالة الجاهلية قبل الإسلام ، لم يكن العرب على موقفموحَّد بالنسبة إلى الإناث من مواليدهم ، ولا ريب أن سرّ ذلك كان في وأد بعضهم لبناتهم بأيديهم .
ولعل ذلك هو السبب لمبادرة القرآن الكريم إلى التنديد به في سابع سوره القصار التكوير في قوله تعالى : (وإذا الموءودة سئلت* بأيّ ذنب قُتلت)، فالسورة من الأوائل نزولاً، والتنديد بوأد البنات من أوائل ما انكره الإسلام والقرآن على المشركين بعد شركهم ووثنيتهم.
وأما السيرة العملية لرسول الإسلام نفسه مع امرأته وأولاده بنين وبنات ، حتى من قبل أن يصدع بما اُمر به من القرآن ، فقد أكرم امرأته خديجة بنت خويلد وأكرم أولاده منها بنين وبنات : القاسم والطاهر ، وأم كلثوم ورقية وزينب ، وكذلك ما رُزق منها بعد الإسلام فاطمة الزهراء3، فَلَم يُتّهم بأي تفريق في تكريمه لأولاده بنين وبنات ، اللَّهم إلّا ما أولاه من عنايته الخاصة بابنته الزهراء فاطمة3 ، وذلك لأسباب خاصة تُطلب من مظانّها ، وليس هنامحلها .
وبعد سورة التكوير السابعة نزولاً في أوائل البعثة النبوية الشريفة ، عاد وحي القرآن الكريم في سورة الإسراء الخمسين نزولاً - ولعلها كانت في أوائل السنة الخامسة للبعثة - إلى التنديد بوأدهم بناتهم ، بزيادة أنه عرّج هذه المرة على علّتهم في ذلك في قوله سبحانه : (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خِطئاً كبيراً) .
وعاد أيضاً في سورة الأنعام الخامسة والخمسين نزولاً - ولعلها كانت في أواخر السنة الخامسة للبعثة أيضاً - فقال تعالى : (ولاتقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم) .
وفي سورة النحل السبعين نزولاً - ولعلها كانت في أواخر السنة السابعة للبعثة - عاد القرآن الكريم إلى التنديد لا بوأدهم بناتهم ، بل بسوء استقبالهم لميلادهنّ في قوله تعالى : (وإذا بُشّر أحدهم بالأنثى ظلّ وجهه مسودّاً وهو كظيم * يتوارى من القوم من سوء ما بُشّر به أيمسكه على هُونٍ أم يدسّه في التراب ألا ساء ما يحكمون).
ولم يخف على النبي9 صعوبة تغيير العادات ، فواصل في أحاديثه وعلاقاته الشخصية ترويضهم على المساواة بين الجنسين من أولادهم .
من ذلك ما أخرجه ابن عساكر عن أنس بن مالك قال : «إن رجلاً كان جالساً مع النبي ، فجاء ابن له فأخذه فقبّله وأجلسه في حجره ، ثم جاءت ابنة له فأجلسها إلى جنبه، فقال له رسول اللَّه9: «هلّا عدلت بينهما».
واستضاء صاحب الإحياء من هذا الضياء الإلهي ، إذ قال فيما قال من آداب توابع النكاح : « إن من آداب الولادة ألّا يفرح بالذكر ويحزن بالاُنثى؛ فإنه لا يدرى الخيرة له في أيّ منهما ، فكم من صاحب ابن يتمنّى ألّا يكون له ولد ، أو يتمنّى أن لو كانت بنتاً، بل السلامة منهنّ أكثر والثواب فيهن أجزل».
وأي ثواب أجزل من أن «الجنة تحت أقدام الاُمّهات» ، ووعدها أيضاً من كثرت بناته فصبر عليهنّ وأدّبهنّ وزوّجهن ، وجعل له حق الاُبوة إذ قال : «الآباء ثلاثة : أبٌ ولَدك ، وأبٌ علّمك ، وأبٌ زوَّجك»، ومع ذلك وضعوا عن لسانه حديثاً يزعم أن « دفن البنات من المكرمات » مناقضاً للقرآن الكريم .