فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
عهد الإمام الحسين عليه‏السلام عهد الإمام الحسين عليه‏السلام
أخبار عاشوراء 1- مقاتل أنصار سيد الشهداء عليه‏السلام أخبار عاشوراء 1- مقاتل أنصار سيد الشهداء عليه‏السلام
أخبار عاشوراء 2- مقاتل الهاشميين من أنصار الحسين عليه‏السلام أخبار عاشوراء 2- مقاتل الهاشميين من أنصار الحسين عليه‏السلام
حوادث السنة الرابعة و الستّينحوادث السنة الرابعة و الستّين
حوادث السنة الخامسة و الستّين و ثورة التوّابينحوادث السنة الخامسة و الستّين و ثورة التوّابين
بداية أخبار المختاربداية أخبار المختار
عهد الحجّاج في العراقعهد الحجّاج في العراق
خطبة الحجّاج في الكوفة
و خطبة ابن مروان في المدينة أوّلاً
و خطبته بمكة
مناوشات الروم و الخوارج
ضرب النقود الإسلامية
و قتال الخوارج الأزارقة و غيرهم
ميلاد زيد للسّجاد عليه‏السلام
وفاة ابن جعفر و ابن الحنفيّة
الحجّاج و عبد الرحمان بن الأشعث
خطبة الحجّاج على ابن الأشعث
سعيد بن جبير إلى ابن الأشعث
قتال الأهواز و زاوية البصرة
وقائع دَير الجماجم و ظهر المربد و حَراة
أسرى الخوارج و الحجّاج
عامر بن شراحيل الشِعبي
وأقام الأشعريون منهم بقم
و مصير ابن الأشعث الانتحار
خطبة الحجّاج لقتل ابن الأشعث
احتجاج الحجّاج على عبد الملك
أمر الحجّاج بإعجام كلام اللّه
و يقترح الحجّاج ولاية الوليد
الفجر الصادق لميلاد الصادق عليه‏السلام
هلاك الملك عبد الملك
الوليد و المسجد النبويّ الشريف
الوليد و مسجد دمشق
فتوح في الروم و الأسبان و خراسان
و فتوح في السند و الهند
و نطق الفرزدق بالحّق
مقتل سعيد بن جُبير مولى بني أسد
قتل كميل بن زياد النخعي
هلاك الحجّاج
وفاة الإمام السجّاد عليه‏السلام
وصاياه الأخيرة وَ صدقة السرّ
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء السادس
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الإسلامي
الطبعة: 1429 ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-84-2
عدد صفحات: 635
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>
عهد الحجّاج في العراق

 

 

(453)

 

(454)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

خطبة الحجّاج في الكوفة

        مرّ الخبر أنّ عبد الملك لمّا ملك العراق ومعه أخوه بِشر بن مروان استخلفه على الكوفة ثمّ العراقَين ، وفي أوّل سنة ( 75 ه ) كان بالبصرة فمات وهو ابن نيّف وأربعين سنة(1) .

        فكتب عبد الملك إلى الحجّاج : أمّا بعد ، يا حجّاج ، فقد ولّيتك العراقين صدقة ، فإذا قدمت الكوفة فطأها وطأة يتضاءل منها أهل البصرة ، وإيّاك وهوينا الحجاز ! فإنّ القائل هناك يقول ألفا ولا يقطع بهنّ حرفا ، وقد رميت الغرض الأقصى فارمه بنفسك وأرد ما أردته بك(2) ، سِر إلى العراقين ، واحتل لقتلهم ؛ فإنّه قد بلغني عنهم ما أكره(3) !

 



(1) تاريخ ابن الخياط البصري : 171 .

(2) تاريخ اليعقوبي 2 : 273 .

(3) الإمامة والسياسة 2 : 31 .

(455)

        فتوجّه الحجّاج ومعه أربعة آلاف من أخلاط الناس وألفا رجل من مقاتلة الشاميّين(1) .

 

        فلمّا بلغ القادسيّة أمر الجيش أن يُقيلوا ثمّ يروحوا وراءه ، ولبس ثياب السفر وتعمّم بعمامته ، ودعا بجمل عليه قتب فجلس عليه بغير حشية ولا وطاء ! وأخذ الكتاب بيده حتّى دخل الكوفة وحده فجعل ينادي : الصلاة جامعة ! حتّى صعد المنبر متلثّما متنكّبا قوسه ، فجلس عليه ، وفي المسجد رجال جلوس في مجالسهم مع كلّ منهم العشرون والثلاثون وأكثر من ذلك من أهله ومواليه . فمن قائل يقول : أعرابي ما أبصر محجّته ( طريقه ) ومن قائل يقول : حُصر الرجل فما يقدر على الكلام ! وقال بعضهم لبعض : قوموا حتّى نحصبه !

 

        ودخل محمّد بن عمير الدارمي التميمي في مواليه ، فلمّا رأى الحجّاج جالسا على المنبر لا ينطق قال : لعن اللّه‏ بني أُميّة حين يولّون العراق مثل هذا ! واللّه‏ لو وجدوا أذمَّ من هذا لبعثوه إلينا ! ثمّ ضرب بيده إلى حصباء المسجد ليحصبه فقال له بعض أهله : أصلحك اللّه‏ اكفف عن الرجل حتّى نسمع ما يقول . فلمّا غصّ المسجد بأهله حسر اللثام عن وجهه ثمّ قام ونحّى العمامة عن رأسه وقال :

 أنا ابن جلا ، وطلاّعُ الثنايا  متى أضع العِمامة تعرفوني

        ثمّ ما حمد اللّه‏ ولا أثنى عليه ولا صلّى على نبيّه وقال : إنّي واللّه‏ لأرى أبصارا طامحة وأعناقا متطاولة ، ورؤوسا قد أينعت وحان قِطافها ! وإنّي صاحبها : كأ نّي أنظر إلى الدماء تَرقرَق بين العمائم واللحى ! ثمّ ارتجز ببعض أراجيز الحروب ثمّ قال :


(1) الإمامة والسياسة 2 : 32 .

(456)

        إنّ أمير المؤمنين ! نثر كنانته فوجدني أمرّها طعما وأحدّها سنانا وأقواها قداحا ، فإن تستقيموا تستقيم لكم الاُمور ، وإن تأخذوا لي بُنيّات الطريق تجدوني لكلّ مرصد مُرصدا ، واللّه‏ لا اُقيل لكم عثرة ، ولا أقبل منكم عذرة .

        يا أهل العراق ، يا أهل الشقاق والنفاق ، ومساوئ الأخلاق ، واللّه‏ ما أُغمَز كتغماز التّين ولا يُقعقع لي بالشِنان ، ولقد فررت عن ذكاء وفُتّشت عن تجربة ! واللّه‏ لألحونّكم لحو العود ، ولأعصبنّكم عصب السلمة ، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل ولأقرعنّكم قرع المَروة !

        يا أهل العراق ! طالما سعيتم في الضلالة ، وسلكتم سبيل الغواية ، وسننتم سنن السوء ، وتماديتم في الجهالة ! يا عبيد العصا وأولاد الإماء ! أنا الحجّاج بن يوسف ، إني واللّه‏ لا أعد إلاّ وفيت ، ولا أخلق إلاّ فريت ! فإياكم وهذه الزرافات والجماعات وقال وقيل وما يكون وما هو كائن ؟! وما أنتم وذاك يا بني اللكيعة ؟! لينظر الرجل في أمر نفسه ، وليحذر أن يكون من فرائسي !

        يا أهل العراق أنتم كما قال اللّه‏ عزّ وجل : كمثل « قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّه‏ِ فَأَذَاقَهَا اللّه‏ُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ »(1) فأسرعوا واستقيموا ، واعتدلوا ولا تميلوا ، وبايعوا وشايعوا واخضعوا ، واعلموا أ نّه ليس منّي الإكثار والإهذار ! ولا منكم الفِرار والنِفار ! إنّما هو انتضاء السيف ثمّ لا أغمده في شتاء ولا صيف ! حتّى يقيم اللّه‏ لأمير المؤمنين ! أودكم ويذلّ له صعبكم .

        إني نظرت فوجدت الصدق مع البّر والبّر في الجنة ! ووجدت الكذب مع الفجور والفجور في النار .


(1) النحل : 112 . وهو يعني عهد عثمان .

(457)

        ألا وإنّ أمير المؤمنين ! أمرني بإعطائكم أُعطياتكم ، وإشخاصكم إلى محاربة عدوّكم مع المهلّب ! وقد أمرتكم بذلك وأجّلت لكم ثلاثا ! وأعطيت اللّه‏ عهدا يؤاخذني به ويستوفيه منّي : أن لا أجد أحدا من بعث المهلّب بعدها إلاّ ضربت عنقه وانتهبت ماله ! يا غلام اقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين !

        فقرأ كاتبه : « بسم اللّه‏ الرحمن الرحيم ، من عبد اللّه‏ عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين إلى من بالعراق من المؤمنين والمسلمين ، سلام عليكم » فلم يردّ عليه سلامه أحد ، فقال الحجّاج للغلام : اسكت يا غلام ، ثمّ قال : يا أهل النفاق والشقاق ومساوئ الأخلاق ! يا أهل الفرقة والضلال ! يسلّم عليكم أميرالمؤمنين ! فلا تردّون عليه السلام ؟! أما واللّه‏ لئن بقيت لكم لألحونّكم لحو العود ولاُؤدّبنكم أدبا سوى هذا ! ثمّ أمر غلامه باستئناف الكتاب فاستأنفه فلما بلغ السلام أجاب أهل المسجد : وعلى أمير المؤمنين السلام ورحمة اللّه‏ وبركاته ! ثمّ نزل وأمر للناس باُعطياتهم ، وضرب على الناس بعثا لنصرة المهلّب بن أبي صفرة الأزدي لحرب الأزارقة الخوارج بالبصرة والأهواز .

        وفي اليوم الثالث استعرض الناس فعرف فيهم عُمير بن ضابي البُرجمي التميمي المشترك في قتل عثمان فقال له : أيّها الشيخ ، أنت الواثب على أمير المؤمنين عثمان بعد قتله والكاسر ضلعا من أضلاعه ؟!

        فقال : إنّه كان حبس أبي شيخا كبيرا ضعيفا فلم يطلقه حتّى مات في سجنه ! فقال : أما واللّه‏ إنّ في قتلك أيّها الشيخ لصلاح للمصرين .. قُم يا غلام فاضرب عنقه ! ففعل .

        فلمّا قُتل ركب الناس كلّ صعب وذلول وخرجوا على وجوههم إلى المهلّب الأزدي لنصرته على الأزارقة(1) .



(1) مروج الذهب 3 : 126 ـ 130 .

(458)

وخطبة ابن مروان في المدينة أوّلاً :

 

        قال اليعقوبي : ولمّا استقامت اُمور البلدان لابن مروان ولم تبقَ ناحية بحاجة للاهتمام بها وإصلاحها ، خرج حاجّا سنة ( 75 ه ) فبدأ بالمدينة(1) .

        وقال المسعودي : فأمر بعطائهم ، فخرجت إليهم بدرة مكتوب عليها « من الصدقة » ! فقالوا : أفما كان عطاؤنا من الفيء ! فارتقى المنبر وقال لهم : إنمّا مثلنا ومثلكم أن أخوين في الجاهلية خرجا مسافريَن فنزلا في ظلّ شجرة تحت صفاة ، فلمّا دنى الرواح خرجت إليهما من تحت الصفاة حيّة تحمل دينارا ألقته إليهما ، فأقاما عليها ثلاثة أيّام كلّ يوم تخرج إليهما دينارا ، فقال أحدهما لصاحبه : إلى متى ننتظر هذه الحيّة ؟! ألا نقتلها ونحفر هذا الكنز فنأخذه ؟ فنهاه أخوه وقال له : ما تدري لعلّك تعطب ولا تدرك المال . فأبى عليه وأخذ فأسا ورصد الحيّة لتخرج فضربها ضربة جرحت رأسها ولم تقتلها ! فثارت الحيّة فقتلته ورجعت إلى جحرها . حتّى إذا كان من الغد خرجت الحيّة معصوبا رأسها ! وليس معها شيء ، فقال لها : يا هذه إنّي واللّه‏ ما رضيت ما أصابك ولقد نهيت أخي عن ذلك ، فهل لك أن نجعل اللّه‏ بيننا أن لا تضرّيني ولا أضرّك وترجعين إلى ما كنت عليه ؟! قالت الحيّة : إنّي لأعلم أنّ نفسك لا تطيب لي أبدا وأنت ترى قبر أخيك ! ونفسي لا تطيب لك أبدا وأنا أذكر هذه الشجّة !

 

        فيا معشر قريش ! وليكم عمر بن الخطاب فكان فظّا غليظا مُضيّقا عليكم ! فسمعتم له وأطعتم ، ثمّ وليكم عثمان فكان سهلاً ليّنا كريما ! فعدوتم عليه فقتلتموه ! وبعثنا عليكم مسلما ( ابن عقبة الفهري ) يوم الحرّة فقاتلتموه !


(1) تاريخ اليعقوبي 2 : 273 .

(459)

فنحن نعلم ـ يا معشر قريش ! ( كذا ! ) أ نّكم لا تحبّوننا أبدا وأنتم تذكرون يوم الحَرّة ! ونحن لا نحبّكم أبدا ! ونحن نذكر مقتل عثمان(1) .

 

 

وخطبته بمكة :

        قال اليعقوبي : أحرم عبد الملك من ذي الحُليفة ، ودخل الحرم والبلد والمسجد وهو يلبّي لم يقطع التلبية ! وصلّى المغرب ليلة العيد بعرفات قبل الإفاضة إلى المزدلفة ، وخطب أربع خطب وفي أحدها قال : لقد قمت في هذا الأمر وما أدري أحدا أقوى عليه منّي ولا أولى به ! ولو وجدت ذلك لولّيته ! إّن ابن الزبير لم يصلح أن يكون سائسا ، كان يُعطي مال اللّه‏ كأ نّه يعطي ميراث أبيه ! وإنّ عمرو بن سعيد أراد الفتنة وأن يستحلّ الحرمة ويذهب الدين ! وما أراد صلاحا للمسلمين ، فصرعه اللّه‏ مصرعه ! وإنّي محتمل لكم كلّ أمر إلاّ نصب راية ! وإنّ الجامعة التي وضعتها في عنق عمرو عندي ! وإنّي اُقسم باللّه‏ لا أضعها في عنق أحد فأنزعها منه إلاّ صعدا(2) !

        وروى ابن الخياط قال : حجّ عبد الملك بعد مقتل ابن الزبير بعامين فخطبنا فقال :

 

        أمّا بعد ، فإنّه كان قبلي من الخلفاء يأكلون من هذا المال ويؤكِلون ! وإنّي ـ واللّه‏ ـ لا اُداوي هذه الأُمة إلاّ بالسيف ! ولست بالخليفة المستضعف ( يعني عثمان ) ولا الخليفة المداهن ( يعني معاوية ) .


(1) مروج الذهب 3 : 121 ـ 122 عن الأخبار الموفّقيات للزبير بن بكّار مسندا وليست في المنشور منه !

(2) تاريخ اليعقوبي 2 : 273 .

(460)

        أيّها الناس ؛ إنّا نحتمل لكم كلّ لغوبة ما لم يكن عقد راية أو وثوبا على منبر ! هذا عمرو بن سعيد وحقّه حقّه وقرابته قرابته ، قال برأسه هكذا ( ورفع رأسه ) فقلنا بسيفنا هكذا ( وأشار إلى الأرض )(1) .

        وزاد ابن الأثير : فإنّي لست بالخليفة المستضعف ( يعني عثمان ) ولا بالخليفة المداهن ( يعني معاوية ) ولا بالخليفة المأفون ( يعني يزيد ) ! ألا وإنّي لا اُداوي هذه الأُمة إلاّ بالسيف حتّى تستقيم لي قناتكم ! وأ نّكم تحفّظوننا أعمال المهاجرين الأوّلين ولا تعملون بها في أعمالكم ! وتأمروننا بتقوى اللّه‏ وتنسون ذلك في أنفسكم ؛ واللّه‏ لا يأمرني أحد بتقوى اللّه‏ بعد مقامي هذا إلاّ ضربت عنقه ! ونزل(2) .

 

        وأتاه علي بن عبد اللّه‏ بن عباس فأعلمه ما لقي أبوه وأهل بيته من ابن الزبير لامتناعهم من بيعته ! وأن أباه أوصاه ليلحق به ! ( فما الفرق ؟ ) .

 

        ولمّا أراد ابن مروان الانصراف وقف فقال مشيرا إلى الكعبة : واللّه‏ إني وددت أ نّي تركت ابن الزبير وما تقلّد وأ نّي لم أكن أحدثت فيها شيئا ! وأمر بحمل علي بن عبد اللّه‏ بن عباس وعياله معه إلى المدينة ثمّ الشام !

        فوافى المدينة ثانية في أوائل المحرم لعام ( 76 ه ) فسلّط خطباءه عليهم بغليظ القول ، وكان بعض خطبائه يتكلّم إذ قام إليه محمّد بن عبد اللّه‏ القارئ وقال له : كذبت لسنا كذلك ! فأخذ الحرس يجرونه وبلغ ذلك عبد الملك فأرسل إليهم أن يُرسلوه فأرسلوه ، وقد ظنّ الناس أ نّهم قاتلوه ! وإنّما أقام عبد الملك بالمدينة ثلاثا ثمّ انصرف إلى الشام ومعه علي بن عبد اللّه‏ فأنزله دارا بدمشق(3) .



(1) تاريخ خليفة : 171 .

(2) الكامل لابن الأثير 4 : 391 .

(3) تاريخ اليعقوبي 2 : 274 .

(461)

مناوشات الروم والخوارج :

 

        ولعلّ غياب عبد الملك من قاعدة المُلك بجوار الروم جرّأهم على التقدّم نحو كورة أعماق قرب دابق بين أنطاكية وحلب ، فتلقّاهم دينار بن دينار وأبان بن الوليد بن عقبة فهزموهم(1) .

        وقد مرّ أنّ عبد الملك جعل أخاه محمّد بن مروان على موصل والجزيرة . وخرج الروم إلى العمق من ناحية مرعش فغزاهم محمّد بن مروان إلى الصائفة في سنة ( 75 ه )(2) .

 

        وفي البحرين كان للنعمان المازني من عبد القيس بستان بمئة جريب ( فِدّان ) فبعد أبي فديك الخارجي خرج داود بن النعمان هذا ، وقال له أبوه : دَع هذا الرأي ولك بستاني هذا فأبى ، وخرج بجمعه إلى طفّ البصرة ، وكان الحجّاج بعث على البصرة الحكم بن أيوب الثقفي ، فوجّه الحكم إلى داود : عبّاد بن حصين في خيل ، فقتل داود(3) وتفرّق جمعه .

 

        وعودا على عمل محمّد بن مروان على أرض الموصل والجزيرة : كان في بلدة دارا صالح بن مُسرَّح التميمي الكوفي ومعه جمع من أصحابه يقرأ عليهم القرآن ويقرئهم ويفقّههم ويقصّ عليهم وهو ناسك صاحب عبادة مصفر الوجه ، وأنكر ظلم المروانيّين فدعاهم إلى الخروج لإنكار ظلمهم وجهاد المخالفين لهم ، فأجابوه(4) .

 



(1) تاريخ خليفة : 170 .

(2) تاريخ خليفة : 171 .

(3) تاريخ خليفة : 170 ـ 171 .

(4) تاريخ الطبري 6 : 216 عن أبي مخنف ، وقيل له : الصُفرى وجماعته الصفرية من الخوارج .

(462)

        وكان من أصحابه شبيب بن يزيد الشيباني الكوفي وحجّوا سنة حجّ عبد الملك ( 75 ه ) وسمعوا خطبه فهمّ شبيب بالفتك به لولا أن مُنع منه ، وعُلم خبرهم واُخبر بهم عبد الملك ، فبعد انصرافه من الحج كتب إلى الحجّاج يأمره بطلبهم ، وكانوا يأتون الكوفة فيقيمون بها بعض الشهور ، وطلبه الحجّاج وبلغه ذلك فخرج إلى الجزيرة(1) .

 

        وواعد أصحابه للخروج بهم ليلة الأربعاء أوّل شهر صفر سنة ستّ وأربعين(2) في مئة وعشرين رجلاً راجلاً ، فقال لهم : إنّ عُظمكم رجّالة ، وهذه دوابّ لمحمّد بن مروان في هذا الرُستاق فشدّوا عليها وتقوّوا بها على عدوّكم . فخرجوا تلك الليلة فأخذوا تلك الدوابّ وركبوها .

 

        وبلغ مخرجهم محمّد بن مروان فبعث إليهم عديّ بن عديّ الكندي وكان رجلاً عابدا يتنسّك في ألف فارس من حرّان(3) فانهزم عديّ ! فوجّه إليه محمّد بن مروان : خالد بن عبد اللّه‏ السُّلمي والحارث بن جعونة العامري فاقتتلوا قتالاً شديدا ، وانحاز صالح التميمي إلى العراق فتركوه . فوجّه إليه محمّد بن مروان بالأشعث بن عُميرة الهمداني فالتقوا في جوخى بعد خانقين إلى خوزستان ، فاستخلف صالح : شبيب بن يزيد وقاتل حتّى قتل ، وقاتل شبيب حتّى انصرف إلى الكوفة ، ومعه امرأته غزالة وقد نذرت أن تصلّي في جامعه ، فدخل شبيب وصلّت امرأته وقتل ناسا وخرج !

        فوجّه إليه الحجّاج : زائدة بن قدامة الثقفي في جمع فالتقوا على الفرات واقتتلوا حتّى قُتل زائدة وهُزم جمعه !


(1) تاريخ الطبري 6 : 215 .

(2) تاريخ الطبري 6 : 219 .

(3) تاريخ الطبري 6 : 220 .

(463)

        فوجّه الحجّاج إليه : عبد الرحمان بن محمّد بن الأشعث الكندي فلم يتلاقوا للقتال .

        فوجّه الحجّاج إليه : عثمان بن قَطَن الحارثي في آخر سنة ستّ وسبعين فقُتل عثمان وانهزم أصحابه !

        فوجّه الحجاج إليه : عتّاب بن ورقاء الرياحي التميمي فلقيه في سواد الكوفة فقُتل عتّاب وانهزم أصحابه !

        فوجّه إليه الحجّاج : الحارث بن معاوية الثقفي فالتقوا بمنزل زرارة فقُتل الحارث وانهزم أصحابه !

        ثمّ خرج إليه الحجّاج في سنة ( 77 ه ) فوجّه إليه أبا الورد مولى بني نصر فقتله شبيب وانهزم جمعه !

        فوجّه إليه : طهمان من موالي عثمان بن عفّان ، فقتله شبيب وانهزم جمعه !

        فخرج إليه الحجّاج في اليوم الرابع بنفسه فاقتتلوا قتالاً شديدا ، فلمّا جنّ الليل عبر شبيب الفرات إلى الأنبار ، فبعث الحجّاج إليه حبيب بن عبد الرحمان الحكمي في ثلاثة آلاف فلقيه بالأنبار ، فتقاتلا إلى الليل ، فسار شبيب ليلاً إلى الأهواز ثمّ سار إلى كرمان وعاد إلى الأهواز فبعث الحجّاج إليه حبيب بن عبد الرحمان الحكمي وسفيان بن الأبرد الكلبي فالتقوا عند جسر دُجيل فاقتتلوا حتّى الليل ثمّ عبر الجسر فقطع به فغرق(1) وتفرّق جمعه ، واستخرج سفيان جسد شبيب فحزّ رأسه ووجّه به إلى الحجّاج في سنة ( 78 ه ) .

        وفي أرض جوخى بين الأهواز وخانقين خرج بعد شبيب الشيباني : أبو زياد المرادي ، فوجّه إليه الحجّاج بالجرّاح بن عبد اللّه‏ الحكمي فلقيه بالفلوجة فقتله .


(1) تاريخ خليفة : 172 ـ 173 .

(464)

        وبالبحرين مرّة اُخرى خرج من عبدالقيس أبو معبد العبدي ، وكان عامل البصرة من قِبل الحجّاج : الحكم بن أيوب الثقفي فبعثه إليه فخرج إليه وقاتله وقتله وفرّق جمعه(1) .

 

ضرب النقود الإسلامية :

        كانت مصر عند الفتح الإسلامي في حكم الروم ، وكانت صناعة القراطيس فيها رومية نصرانيّة قبطيّة تبعا لأكثرهم ، وأصبح المسلمون يستعملونها كما هي ، وكان عليها طراز بالرومية مغفولاً عنه ، ولعلّ هذه المناوشات الروميّة الأخيرة بعثت عبد الملك أن يطلب ترجمة ذلك الطراز وإذا هو : باسم الأب والابن وروح القدس !

        وكان هذا يُطَرّز على الأقمشة للستائر والثياب أيضا ، فلمّا تُرجم له قال : ما أغلظ هذا في أمر الدين والإسلام ! وكان على مصر أخوه عبد العزيز فكتب إليه أن ينهاهم عنه ويأمرهم أن يبدّلوها بصورة التوحيد : « شهد اللّه‏ انّه لا إله إلاّ هو ... » أو بسورة التوحيد . وكتب إلى الآفاق بإبطال ذلك ومعاقبة من وجد عنده بعد النهي شيء منه بالضرب الوجيع والحبس الطويل ! ففعلوا ذلك وعملوه .

        وحُملت القراطيس إلى الروم وإلى ملك الروم(2) بطراز التوحيد بالخطّ العربي ، وتُرجم ذلك له فأنكره وغلظ عليه واستشاط غيظا إلاّ أ نّه أرسل إلى عبد الملك بهدية وكتاب يطلب منه أن يرد الطراز الرومي ! فردّ عبد الملك الهديّة والكتاب بلا جواب . فكتب ملك الروم إليه : « لتأمرنّ بردّ الطراز إلى ما كان عليه ،


(1) تاريخ اليعقوبي 2 : 275 .

(2) لعلّه بوسطين بانوس ( الثالث ) وانظر مختصر تاريخ الدول : 112 ولم يذكر هذا الخبر !

(465)

أو لآمرنّ بنقش الدنانير(1) بشتم نبيّك ! وإنّك تعلم أ نّه لا ينقش منها شيء إلاّ ما ينقش في بلادي » ! فحبس رسوله .

 

        واستشار عبد الملك أصحابه لذلك فقال له رَوح بن زنباع الجُذامي : إنّك لتعلم المخرج من هذا الأمر ولكنّك تتعمّد تركه ! فقال : ويحك من ؟ قال : « عليك بالباقي(2) من أهل بيت النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله » قال : صدقت ولكنّه اُرتج عليَّ الرأي فيه !

        ثمّ كتب إلى عامل المدينة : أن أشخص إليَّ عليّ بن الحسين مكرّما .. فلمّا وافاه أخبره الخبر ، فقال عليه‏السلام : لا يعظم هذا عليك ، فإنّه ليس بشيء من جهتين : إحداهما : أنّ اللّه‏ عزّ وجل لم يكن ليطلق ما تهدّد به صاحب الروم في رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ! والأُخرى : وجود الحيلة فيه . فقال عبد الملك : وما هي ؟ قال : تدعو في هذه الساعة بصنّاع يضربون بين يديك سككا .. وتجعل النقش عليها سورة التوحيد في وجه و ذكر رسول اللّه‏ في الوجه الثاني ، وتجعل في مدارها ذكر البلد الذي يضرب فيه والسنة . ثمّ فصِّل ذلك حسب أوزان الدراهم والدنانير(3) وضرب الحجّاج بالعربية أيضا بالعراق(4) .

 



(1) في الخبر عطف الدراهم ؛ وهو وهم ، لأنّ الدرهم المتداول يومئذ لم يكن رومّيا وإنّما كان فارسّيا ، وراجع حوادث عام ( 40 ه ) .

(2) الخبر في كتاب المحاسن والمساوي للبيهقي ( ق 5 ه ) 2 : 232 و 468 ، ط . 2، وللخبر نسختان ففي نسخة كما ذكرنا ، وفي نسخة: الباقر عليه‏السلام ولا يصّح ، لحياة أبيه السجاد عليه‏السلام ، والباقر يومئذ دون العشرين من عمره !

(3) المصدر السابق . وفي دائرة المعارف البريطانية 17 : 904 : كان ذلك سنة ( 76 ه ) الموافقة لسنة ( 695 ه ) . وانظر مقال أخينا السيّد المرتضى في دراسات وبحوث : 127 ـ 137 .

(4) تاريخ اليعقوبي 2 : 281 .

(466)

وقتال الخوارج الأزارقة وغيرهم :

 

        قال اليعقوبي : وألحّ الحجّاج في قتال الأزارقة فجادّهم المهلّب بن أبي صُفرة الأزدي فما زال يهزمهم من منزل إلى منزل حتّى انتهى بهم إلى سجستان فقتل هناك من رؤسائهم عطيّة بن الأسود الحنفي التميمي . وصاروا إلى كرمان مع رئيسهم قطريّ بن فجاءة ، ثمّ عثروا على كذبة منه فاستتابوه فأبى أن يوجب على نفسه التوبة فخلعوه ! فلما امتنع أن يجيبهم إلى التوبة فيوجد لهم السبيل إلى خلعه . كان في جمعه رجلان يسمّيان بعبد ربّه وقع بأسهم بينهم وانحاز كل واحد منهما في جيش مخالفا لقطري ، فقصد المهلّب عبد ربّه الصغير حتّى قتله ، ثمّ قصد عبد ربّه الكبير وفرّق جمعه .

        ولكن بقي مع ذلك قطريّ في اثنين وعشرين ألفا ! فصاروا إلى طبرستان ، فأرسل إلى إصبهبدها يسأله أن يدخل بلاده فسمح له وفعل ، فلمّا سمن دوابّهم وبرئ جرحاهم عرض قطري الإسلام على الإصبهبد أو يؤدّي الجزية صاغرا وأنه لا يجوز في ديننا غير هذا ! فخرج الإصبهبد يحاربه فانهزم إلى سفيان بن الأبرد الكلبي وهو يومئذ عامل الريّ وقد تهيّأ لقتال الأزارقة ، فأدخله إلى طبرستان من طريق مختصرة. فقتل قطريّا وبعث برأسه إلى الحجّاج سنة (79 ه)(1).

        وكان على البحرين زياد بن الربيع الحارثي الهمداني فعزله زياد وولّى محمّد بن صعصعة الكلابي على البحرين وعُمان ، ومن قرية طاب من قرى الخِط ( = القطيف اليوم ) بالبحرين خرج عليه الريان النكري ومعه جيداء الأزديّة فهرب منه الكلابي ، فبعث الحجّاج يزيد بن أبي كبشة فلقي النكري في ميدان الزارة فقتل الريان وجيداء وعامة أصحابهما(2) .

 


(1) تاريخ اليعقوبي 2 : 275 ـ 276 .

(467)

ميلاد زيد للسّجاد عليه‏السلام :

 

        من أُم ولد أهداها المختار الثقفي للسجاد عليه‏السلام ولدت أربعة أولاد ، خديجة وعليا وزيدا(1) قبل الثمانين للهجرة(2) . وفي تسميته بزيد روى الحلّي عن ابن قولويه عن بعض أصحاب السجاد عليه‏السلام قال : كان إذا صلّى الفجر لم يتكلّم ( إلاّ بالتعقيب ) حتّى تطلع الشمس ، فجاءوه يوما وبشّروه بولادة ولد له بعد الفجر ، وسمع ذلك مَن حوله فسألهم: ما تروني أن اسمي هذا المولود ؟ فقال كلٌّ منهم : سمّه كذا وسمّه كذا . فالتفت إلى غلامه وقال له : يا غلام عليَّ بالمصحف . فجاءه بالمصحف فوضعه في حجره وفتحه ونظر إلى أول الورقة ( يمينا ) فإذا فيه : « فَضَّلَ اللّه‏ُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرا عَظِيما »(3) فأطبقه ثمّ فتحه ونظر في أول الورقة « يمينا » فإذا فيه : « إِنَّ اللّه‏َ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّه‏ِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدا عَلَيْهِ حَقّا فِي التَّوْرَاةِ وَالاْءِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللّه‏ِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ »(4) فقال يكرّر : هو واللّه‏ زيد ، هو واللّه‏ زيد ، فسمى زيدا(5) .

        وقد روى الباقر عن أبيه السجاد عن أبيه الحسين عليهم‏السلام : أنّ النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قال له : يا حسين : يخرج من صلبك رجل يقال له : زيد ، تخطّى هو وأصحابه


(1) تاريخ خليفة : 174 ـ 175 .

(2) مقاتل الطالبين : 89 .

(3) المصدر السابق : 88 و 92 .

(4) النساء : 95 .

(5) التوبة : 111 .

(6) السرائر 3 : 638 ، 736 .

(468)

يوم القيامة رقاب الناس غرّا محجّلين ، يدخلون الجنة بغير حساب(1) . وعليه فالسجّاد عليه‏السلام كان على علم بذلك لمّا تفأل لاسمه بكتاب اللّه‏ وتكررّت آيات الجهاد والشهادة شهد ذلك بأنه هو فسمّاه زيدا بتسمية النبيّ له(2) .

 

 

وفاة ابن جعفر وابن الحنفيّة :

        في سنة ثمانين توفّي عبد اللّه‏ بن جعفر بن أبي طالب(3) وكان جوادا سخيّا ، ومات بدعائه : إذ أتاه آت يسأله معونته على أمره ولم يكن يحضره ما يعينه به ، فخلع ثيابه عليه ثمّ دعا فقال : اللهمّ إن نزل بي بعد اليوم حقّ لا أقدر على قضائه فأمتني قبله ! فمات في يومه ذلك(4) .

        وقال المسعودي : في سنة ثمانين كان الطاعون العامّ بالعراق والجزيرة والشام ومصر والحجاز ، فلمّا قلّ مال ابن جعفر سُمع يوم الجمعة في المسجد الجامع ( ؟ ) يقول : اللهمّ إنّك قد عوّدتني عادة فعوّدتها عبادك ، فإن قطعتها عنّي فلا تُبقني ! فمات في تلك الجمعة ، وقد وُلد في هجرة والديه إلى الحبشة ،


(1) أمالي الصدوق : 408 ، الحديث 529 ، المجلس 9 ، وعيون أخبار الرضا عليه‏السلام 1 : 478 ، الحديث 188 .

(2) وفي مقاتل الطالبيين : 88 : بسنده عن عبد اللّه‏ بن محمّد بن الحنفية : أ نّه مرّ به زيد بن علي ( وهو صَبيّ ) فرقَّ له وأخذه وأجلسه عنده وقال له : يابن أخي ! أُعيذك باللّه‏ أن تكون زيدا المصلوب بالعراق ! ولا ينظر أحد إلى عورته ولا إليه إلاّ كان في أسفل درك من جهنّم ! وعليه فهو كان صبيّا يدرج قبل وفاة ابن الحنيفة ، وسيأتي لاحقا .

(3) تاريخ خليفة : 176 واليعقوبي 2 : 277 والمسعودي 3 : 167 .

(4) تاريخ اليعقوبي 2 : 277 .

(469)

وصلّى عليه والي المدينة أبان بن عثمان بن عفّان ، وحين أملق عبد اللّه‏ وافتقر تزوج الحجّاج بإحدى بناته(1) وإنمّا تزوّج الحجّاج بابنته ليبتذل أو يذل بذلك آل أبي طالب(2) ولعلّه كان قبل أن ينتقل الحجّاج إلى العراق .

 

        وقال ابن قتيبة : كانت أُمّ كلثوم ابنة عبد اللّه‏ بن جعفر لزينب بنت علي عليه‏السلام تزوّجها القاسم ابن عمّها محمّد بن جعفر ، ثمّ تزوّجها الحجّاج بن يوسف ! كما تزوّج ابنته الاُخرى : أُمّ أبيها عبد الملك بن مروان(3) ! ومع ذلك افتقر وأملق قهرا !

 

        وقال في محمّد بن علّي المعروف بابن الحنفيّة : إنّه هرب من ابن الزبير إلى الطائف فمات بها سنة إحدى وثمانين وهو ابن خمس وستّين(4) ونقل قوله المسعودي ولكنّه اختار أ نّه توفي في المدينة وأذن أكبر ولده أبو هاشم عبد اللّه‏ لوالي المدينة أبان بن عثمان بن عفّان أن يصلّي عليه فصلّى عليه ودفن بالبقيع(5) .

 

        وقال النوبختي : فلمّا توفي محمّد بن الحنفيّة بالمدينة في المحرّم سنة إحدى وثمانين وهو ابن خمس وستّين سنة تفرّق أصحابه على ثلاث فرق :

 

        ففرقة تبعت من أصحابه ابن كرب وهو قال : إنّ محمّد بن الحنفيّة هو المهدي فلا يجوز ( يمكن ) أن يموت ، بل غاب لا يدرى أين .ولا إمام بعد غيبته ، بل يزعمون أنّ محمّد بن الحنفيّة سيظهر بنفسه بعد الاستتار ينزل إلى الدنيا ويكون أمير المؤمنين ويملك الأرض ، وهذه هي آخرتهم !


(1) مروج الذهب 3 : 167 .

(2) مروج الذهب 3 : 169 .

(3) المعارف : 207 .

(4) المعارف : 216 .

(5) مروج الذهب 3 : 116 .

(470)

        وفرقة قالت : إنّ محمّد بن الحنفيّة لم يمت بل هو حيّ مقيم بجبال رضوى بين مكّة والمدينة ، وهو عندهم الإمام المنتظر الذي بشّر به النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : أ نّه يملأ الأرض عدلاً وقسطا ، عن يمينه أسد وعن يساره أسد أو نمر يحفظانه إلى أوان قيامه ومجيئه وخروجه ، تغدو عليه الآرام ( الغِزلان ) وتروح فيشرب من ألبانها ويأكل من لحومها !

        وفرقة منهم قالت : إنّ محمّد بن الحنفيّة أوصى إلى أكبر ولده أبي هاشم عبد اللّه‏ بن محمّد فهو الإمام بعده ، وغالوا فيه وقالوا بأ نّه هو المهدي وهو يحيي الموتى ولا يموت(1) وكانت شيعة أبيه تتولاّه ولا عقب له ، وكان عند موته بالشام وعنده محمّد بن علي بن عبد اللّه‏ بن العباس فأوصى إليه وقال له : أنت صاحب هذا الأمر وهو في ولدك ! ودفع إليه كتبه ( ؟! ) وصرف شيعته إليه(2) .

        هذا ، وقد روى الكليني بطريقين إلى زرارة وأبي عبيدة عن الباقر عليه‏السلام : أنّ علي بن الحسين عليه‏السلام أخبر ابن الحنفية : أنّ أباه الحسين عليه‏السلام كان أوصى إليه قبل أن يتوجّه إلى العراق وعهد إليه بالإمامة والوصيّة قبل شهادته وأودعه سلاح رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ثمّ تحاكم معه إلى الحجر الأسود لينطق بالحقّ بحيث يسمعانه ، فانطلقا وبدأ ابن الحنفيّة فلم يجبه ، ثمّ دعا عليّ بن الحسين عليه‏السلام فأنطق اللّه‏ الحجر بلسان عربي مبين : أنّ الإمامة والوصيّة بعد الحسين إلى عليّ بن الحسين عليهماالسلام ، فانصرف ابن الحنفيّة وهو يتولّى علّي بن الحسين عليهماالسلام (3) .

 



(1) فرق الشيعة : 27 ـ 31 .

(2) المعارف لابن قتيبة : 217 ، وفرق الشيعة : 33 وقال : بل افترق أصحابه أربع فرق : 31 .

(3) أُصول الكافي 1 : 348 ، الحديث 5، الباب 81 ، كتاب الحجة .

(471)

        وروى الطبرسي عن الصادق عليه‏السلام : أنّ أبا خالد وردان الكابلي كان يقول بإمامة ابن الحنفيّة فسمعه يخاطب علّي بن الحسين يقول : يا سيّدي ! فسأله عن ذلك فقال له : إنّه حاكمني إلى الحجر الأسود فصرت إليه فسمعته يقول لي : سلّم الأمر إلى ابن أخيك فإنّه أحقّ به منك(1) .

 

        وعليه ، فهو كان يدّعي الإمامة أوّلاً ثمّ أذعن للحقّ ، ولم يذعن له أبناؤه وأصحابهم كلّهم .

 

 

الحجّاج وعبد الرحمان بن الأشعث :

        ولي الحجّاج العراقين وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة ! وله أربعة بنين : محمّد وأبان وعبد الملك ، والوليد(2) ! وأراد استمالة قوم الأشعث بن قيس الكندي إليه فتزوّج ميمونة بنت محمّد بن الأشعث قتيل المختار لابنه محمّد وهو غلام مراهق ! ليكونوا له يدا على من ناوأه . وكان لها أخ يقال له : عبد الرحمان بن محمّد بن الأشعث ، وكان بهيّا جميلاً منطيقا وله اُبّهة في نفسه ، فألحقه الحجّاج بأفاضل أصحابه وأهل سرّه وخاصّته بل ألزمه بنفسه ، وأجرى عليه العطايا الواسعة صلة ، لصهره ولإتمام الصنيعة إليه وإلى جميع أهله ، فملأه كبرا وفخرا وتطاولاً ، حينا من الدهر .

        ثمّ كتب له عهدا على سجستان(3) ووجّه معه الحجّاج بعشرة آلاف منتخب(4) جيشا كثيفا حسن العدّة حتّى سمّى جيش الطواويس ، لغزو رُتَبيل ملك


(1) إعلام الورى 1 : 486 .

(2) المعارف : 397 ـ 398 .

(3) الإمامة والسياسة 2 : 36 ـ 37 .

(4) تاريخ اليعقوبي 2 : 277 .

(472)

زابلستان(1) وكل ملك يلي هذا الصقع من بلاد الهند ! يقال له رُتَبيل(2) فلمّا صار إلى سجستان أقام في بُست وضبط أطرافه ، ثمّ سار يريد رتبيل ملك البلد فلمّا أوغل في بلاده خاف الكمين فرجع إلى بُست وكتب إلى الحجّاج يعلمه أ نّه أخّر غزو رُتَبيل إلى العام المقبل فكتب إليه الحجّاج ينسبه إلى العجز ويغلظ له ويتوعّده فيه ، فجمع أطرافه إليه وحرّضهم على الحجّاج ودعاهم إلى خلعه فأجابوه وبايعوا له لبغضهم الحجّاج وسطوته(3) .

 

        وكان في عسكره أيوب بن القُريّة التميمي وكان كليما مفوّها ، فسأله أن يصدر رسالة إلى الحجّاج يخلع فيها طاعة الحجّاج ، فكتب له ابن القريّة رسالة فيها :

 

        بسم اللّه‏ الرحمن الرحيم من عبد الرحمان بن محمّد بن الأشعث ! إلى الحجّاج بن يوسف ، سلام على أهل طاعة اللّه‏ وأوليائه الذين يحكمون بعدله ويوفون بعهده ، ويجاهدون في سبيله ويتورعون لذكره ، ولا يسفكون دما حراما ولا يعطّلون للربّ أحكاما ولا يدرسون له أعلاما ، ولا يتنكّبون النهج ولا يسارعون في الغيّ ، ولا يدلّلون الفجرة ولا يتراضون الجَورة ، بل يتمكّنون عند الاشتباه ، ويتراجعون عند الإساءة .

        أمّا بعد ؛ فإنّي أحمد إليك اللّه‏ حمدا بالغا في رضاه ، منتهياً إلى الحقّ في الاُمور الحقيقيّة عليه للّه‏ . وبعد فإنّ اللّه‏ أنهضني لمصاولتك وبعثني لمناضلتك ، حين تحيّرت اُمورك وتهتّكت ستورك ، فأصبحت عريان حيران مبهتا ، لا توافق وفقا ولا ترافق رفقا ولا تلازم صدقا .


(1) التنبيه والإشراف : 271 .

(2) مروج الذهب 3 : 131 .

(3) تاريخ اليعقوبي 2 : 277، والتنبيه الإشراف : 271 .

(473)

        أُؤمّل من اللّه‏ الذي ألهمني ذلك أن يصيّرك في حبالك ويسحبك للذقن ، وينصف منك من لم تنصفه من نفسك ، ويكون هلاكك بيدي من اتّهمته وعاديته . فلعمري لقد طالما تطاولت وتمكّنت وأخطيت وخلت أن لن تبور وأ نّك في فلك الملك تدور ! وستخبر مصداق ما أقول عن قريب !

        فسِر لأمرك ولاقِ عصابة خلعتك من حبالها خلعها نعالها ! لا يحذرون منك جهدا ولا يرهبون منك وعيدا ! يتأمّلون خزايتك وهم عطاشى إلى دمك ويستطعمون اللّه‏ لحمك ، يحاولونك به على طاعة اللّه‏ وقد شروا أنفسهم تقرّبا إلى اللّه‏ ! فأغضِ عن ذلك يابن اُمّ الحجّاج ، فسنحمل عليك إن شاء اللّه‏ ، ولا حول ولا قوّة إلاّ باللّه‏ ، والسلام على أهل طاعة اللّه‏(1) .

 

خطبة الحجّاج على ابن الأشعث :

        قال ابن قتيبة : فلمّا ورد الكتاب على الحجّاج أمر فنودي : الصلاة جامعة ، فاجتمع الناس ، فخرج إليهم قد أخذ بطرف ردائه ويجرّ ذيله من خلفه حتّى صعد المنبر وقال فيما قال :

        العجب العجب ، وما هو أعجب ! من العِير الأبتر !أني وجّهته ومن معه من المنافقين ، فانطلقوا في نحور العدو ، ثمّ أقبلوا على راياتهم لقتال أهل الإسلام ؛ من أجل ِعير أبتر ! على حين أننا قد أمّنا الخوارج وأطفأنا الفتن ، فتتابعت الفتن إليهم ! فكان من شكركم ـ يا أهل العراق ـ ليد اللّه‏ فيكم ونعمته عليكم وإحسانه إليكم ! جرأتكم على اللّه‏ وانتهاككم حرمته واغتراركم بنعمته ! ألم يأتكم شبيبٌ مهزوما ذليلاً ؟! فقبحت تلك الوجوه ! فما هذا الذي يتخوّف منكم يا أهل العراق ؟! واللّه‏ لقد أكرمنا اللّه‏ بهوانكم ! وأهانكم بكرامتنا في مواطن شتّى تعرفونها وتعرفون أشياء


(1) الإمامة والسياسة 2 : 37 ـ 38 .

(474)

حرّمكم اللّه‏ اتّخاذها .. أرى الحزام قد بلغ الطِبيين والتقت حلقتا البطان .. أنا ابن العرقية وابن الشيخ الأعزّ ! كذبتم وربّ الكعبة ! ما الرأي كما رأيتم ولا الحديث كما حدّثتم ، فافطنوا لعيوبكم وإيّاكم أن أكون وأنتم كما قال :

 

 إنّك إن كلّفتني ما لم أطُق  ساءَك ما سرّك منّي من خُلق !

        والمخبر بالعلم ليس كالراجم بالظنون ، فالتقدّم قبل التندّم ، وأخو المرء نصيحته ! ثمّ أنشد :

 لذي الحلم قبل اليوم ما تُقرع العصا  وما عُلّم الإنسان إلاّ ليعلما

        ثمّ قال : احمدوا ربّكم ، وصلّوا على نبيّكم صلى‏الله‏عليه‏و‏آله . ثمّ نزل .

        وكان كاتبه مولاه نافع فقال له : يا نافع اكتب : بسم اللّه‏ الرحمن الرحيم ، من الحجّاج بن يوسف إلى عبد الرحمان بن الأشعث ، سلام على أهل النزوع من الزيغ .. فإني أحمد اللّه‏ الذي خلاّك في حيرتك حتّى أقحمك أُمورا أخرجك بها عن طاعته وجانبت بها ولايته ! وعسكرت بها في الكفر وذهلت بها عن الشكر ! فلا تشكر في السرّاء ولا تصبر في الضرّاء .. أقبلت تستوقد الفتنة لتصلَى بحرّها وجلبت لك ولغيرك ضرّها .. وعزة ربك لتكبّن لنحرك وتقلبنّ لظهرك ، ولتدحضنّ حجّتك ، ولتذمّن مقامك ، كأ نّي بك تصير إلى غير مقبول منك إلاّ السيف ، عند كشوف الحروب عن ساقها ومبارزة أبطالها ! والسلام على مَن إلى اللّه‏ أناب وسمع وأجاب(1) .

فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>
URL http://www.yousofi.info/ar/book_964-5662-84-2_p26.htm