فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
أهم حوادث السنة السابعة للهجرة أهم حوادث السنة السابعة للهجرة
أمر خيبرأمر خيبر
كتبه إلى يهود خيبر
التهيؤ للغزو
موقف يهود المدينة
خروج النسوة إلى خيبر
المسير نحو خيبر
موقف يهود خيبر
بين اليهود وحلفائهم
هداية ... وأمانة
واصطفوا للقتال
وتحوّلوا في الليل
اليوم الثاني
اليوم الثالث
مقامه على حصون النطاة
حصار حصن الزَّبير
من الرجيع إلى المنزلة
حصن النِّزار بالشِّق
صَفيّة بنت حُييّ بن أخطب
حصون الوطيح وسُلالِم والكتيبة
مصالحة أهل الحصون الثلاثة
فروة بن عمرو على الغنائم
و نهى عن الربا المعاملي
وصول جعفر إلى خيبر
و أما أمر فدك
الشاة المشويّة
زواج النبيّ بصفيّة
خبر ردّ الشمس لعلي عليه‏السلام
خبر فتح خيبر في مكة
يهود وادي القرى وتيماء
فوات الصلاة ؟!
و انتهى إلى المدينة
و من أخبار الصُفّة
في دار النبيّ بعد خيبر
وصول مارية وهدايا المُقَوقس
نزول سورة الرعد
تاريخ حرب خيبر
و كتب إلى كسرى
تذكير بمناسبة
دعاة الإسلام في الشام
سريّة زيد إلى حِسمى
كتابه إلى أكثم بن صيفي التميمي
سرية ابن سعد إلى فدك
سريتان إلى هوازن
سرية بشير إلى غطَفان
كتابه إلى أمير اليمامة
القَسامة ، والدّية من بيت المال
تقسيم محاصيل خيبر
عمرة القضاء
مبعوث قريش
أذان بلال
زواج النبيّ بميمونة
واُعيدت الأصنام
عليّ وابنة عمه حمزة عليهماالسلام
الخروج من مكة
وأين خالد بن الوليد؟
سرية السُلَمي إلى بني سُليم
نزول سورة الدهر في ذي الحجة
ما تبقّى من آيات الأحزاب
آية التطهير
وسلِّموا له تسليماً
أهم حوادث السنة الثامنة للهجرة أهم حوادث السنة الثامنة للهجرة
أهم حوادث السنة التاسعة للهجرةأهم حوادث السنة التاسعة للهجرة
أهم حوادث السنة العاشرة للهجرة أهم حوادث السنة العاشرة للهجرة
أهم حوادث السنة الحادية عشرة للهجرة أهم حوادث السنة الحادية عشرة للهجرة
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 3: العصر النبوي - العهد المدني
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الإسلامي
الطبعة: 1421 ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-19-2
عدد صفحات: 812

وصول مارية وهدايا المُقَوقس :

        قال الواقدي : وفيها ( سنة 7 ) قدم حاطب بن أبي بَلتعة ، من عند المُقوقس ، بمارية ، واختها سيرين ـ ومعهما خَصيّ ـ وقد دعاهما حاطب إلى الاسلام فأسلمتا .

        فبعث النبيّ بسيرين إلى حسّان بن ثابت(2) واتخذ مارية لنفسه فأنزلها على أُم سَليم بنت مِلحان(3) ثم اتّخذ لها المشربة ، وهي مزرعة فيها حجرة وبئر ماء .

        وكانت الأخبار قد انتشرت باستيلاء النبيّ على الكنز الشهير في خيبر لآل أبي الحُقيق زعيم اليهود ، وسمع به أزواجه .. .

 


(1) فقه السيرة عن البخاري ومسلم .

(2) فولدت له عبد الرحمن بن حسّان .

(3) الطبري 3 : 21 ، 22 . وهي أُم أنس بن مالك خادم النبيّ وحاجبه . ابن هشام 3 : 354 والواقدي 3 : 903 وكانت مع النبيّ في خيبر ، وهي التي مشّطت له صفية ، فلعل انزال مارية عليها لذلك أيضا .

(75)

        قال القمي في تفسيره : لما رجع رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله من غزاة خيبر وقد أصاب كنز آل أبي الحُقيق قال له أزواجه : أعطنا مما أصبت !

        فقال لهنّ رسول اللّه‏ : قسّمته بين المسلمين على ما أمر اللّه‏ !

        فغضبن من ذلك وقلن : لعلك ترى أنك إن طلّقتنا أن لا نجد الأكفاء من قومنا يتزوّجونا ؟!

        فأنف اللّه‏ لرسوله ، فأمره أن يعتزلهن !

        فاعتزلهن رسول اللّه‏ في مشربة أُمّ إبراهيم ( وهي مارية القبطية ) تسعةً وعشرين يوما حتى حضن وطهرن . ثم أنزل اللّه‏ هذه الآية : « يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لاَِزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحا جَمِيلاً * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللّه‏َ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الاْآخِرَةَ فَإِنَّ اللّه‏َ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرا عَظِيما » .

        فلما قرأها عليهنّ قامت أُمّ سلمة أول من قامت و ( عانقته ) وقالت : قد اخترت اللّه‏ ورسوله . فقمن كلهنّ فعانقنه وقلن مثل ذلك(1) .



(1) تفسير القمي 2 : 192 والآيتان 28 و 29 من سورة الأحزاب ، وهي التسعون في النزول و 4 أو 5 من المدنيات . التمهيد 1 : 106 . وقد مرّ الحديث عن الآيات السابقة في ما نزل من القرآن في حرب الأحزاب ثم بني قريظة ، وأخّرت الخبر عن هذه الآيات إلى هنا بعد خيبر بناءً على خبر القمي .

    والطوسي حكى عن عكرمة : أنه كانت له يومئذٍ تسع نسوة من قريش : سودة بنت زمعة ، وعائشة ، وحفصة ، وأُم سلمة بنت أبي أُمية ، وأُم حبيبة بنت أبي سفيان . ومن غير قريش : زينب بنت جحش الأسدية ، وجويرية بنت الحارث من بني المصطلق ، وصفية بنت حُيي بن أخطب ، وميمونة بنت الحارث . البيان 8 : 335 . î؛

    وروى في سبب نزول هذه الآية : أن كل واحدة من نسائه طلبت شيئا : فسألت سودة قطيفة خيبرية ، وسألت حفصة ثوبا من ثياب مصر ( ولعله من هدايا المقوقس ) وسألت أُم سلمة سترا ، وسألت زينب بنت جحش بُردا يمانيا ، وسألت جويرية معجرا ، وسألت أُم حبيبة ثوبا شحوانيا ، وسألت ميمونة حلة . التبيان 8 : 334 . وقال الطبرسي : قال المفسّرون : إن أزواج النبيّ سألنه شيئا من عرض الدنيا وطلبن منه زيادة في النفقة ، وآذينه لغيرة بعضهن من بعض ، فآلى رسول اللّه‏ منهن شهرا ، فنزلت آية التخيير وهي قوله : « قُلْ لاَِزْوَاجِكَ » وكن يومئذٍ تسعا : سودة بنت زمعة ، وعائشة ، وحفصة ، وأُم سلمة بنت أبي أُمية ، وأُم حبيبة بنت أبي سفيان ، فهؤلاء من قريش . وزينب بنت جحش الأسدية ، وجويرية بنت الحارث المصطلقية ، وصفية بنت حييّ الخيبرية ، وميمونة بنت الحارث الهلالية . مجمع البيان 8 : 554 .

    ونقل عن ابن زيد أن الآية نزلت حين غار بعض أُمهات المؤمنين على النبيّ ، وطلب بعضهن زيادة النفقة ، فهجرهن شهرا ، حتى نزلت آية التخيير ، فأمره اللّه‏ أن يخيّرهن بين الدنيا والآخرة ، وأن يخلّي سبيل من اختارت الدنيا ويمسك من اختارت اللّه‏ ورسوله ، على أنهنّ أُمهات المؤمنين ولا ينكحن أبدا ، وعلى أنه يؤوي مَن يشاء منهنّ ويرجي من يشاء منهن ، ويرضين به قسم لهن أو لم يقسم ، أو قسم لبعضهن ولم يقسم لبعضهن ، أو فضّل بعضهن على بعض في النفقة والقسمة والعِشرة ، أو سوّى بينهنّ ، فالأمر في ذلك إليه يفعل ما يشاء . فرضين بذلك كله واخترنه على هذا الشرط . وهذا من خصائصه . مجمع البيان 8 : 573 .

(76)

        وقد نقل الطبرسي عن مقاتل قال : لما رجعت أسماء بنت عميس مع زوجها جعفر بن أبي طالب عليه‏السلام من الحبشة ، قالت لنساء رسول اللّه‏ : هل نزل فينا شيء من القرآن ؟ قلن : لا .

 

        فأتت رسول اللّه‏ فقالت : يا رسول اللّه‏ ، إن النساء لفي خيبة وخسار !

        فقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : ومم ذلك ؟ قالت : لأنهن لا يذكرن بخير كما يذكر الرجال .

(77)

    فأنزل اللّه‏ تعالى هذه الآية : « إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ »(1) وهي الآية 35 من الأحزاب ،وهذا مما يؤيد نزول السورة أو هذه الآيات بعد خيبر .

    وقد ورد في أخبار آية التخيير 28 من السورة أن من أزواجه حين التخيير زينب بنت جحش الأسدية ابنة عمته ، التي تزوجها بعد طلاقها من زوجها زيد بن حارثة الشيباني . مما يقتضي نزول الآية بعد ذلك .

 

نزول سورة الرعد :

        وهي السورة الرابعة والتسعون في النزول والثالثة عشر في النزول بالمدينة ، وفيها قوله سبحانه : « وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجا وَذُرِّيَّةً ... »(2) وفي « أسباب النزول » للواحدي : عن الكلبي قال : عيّرت اليهود رسول اللّه‏ فقالت : ما نرى لهذا الرجل مهمّة إلاّ نكاح النساء ! ولو كان نبيّا ـ كما زعم ـ لشغله أمر النبوّة عن النساء ! فأنزل اللّه‏ تعالى الآية(3) .

    وهذا يناسب ما بعد خيبر ، حيث اُضيف إلى أزواجه الاُوَل : سودة وعائشة وحفصة وأُم سلمة وزينب بنت جحش ، نساء من اليهود : ريحانة بنت زيد بعد غزوة بني قريظة ، وجويرية بنت الحارث زعيم بني المصطلق ، وصفية بنت حيي بن أخطب النظري الخيبرية ، مع وصول مارية القبطية .

 

        وروى الواقدي بسنده عن اُمّ عبد اللّه المزنية عن صفية بنت حُييّ بن أخطب


(1) مجمع البيان 9 : 560 وأسباب النزول للواحدي : 296 .

(2) الرعد : 38 .

(3) أسباب النزول : 225 وأشار إليه في التبيان 6 : 263 ومجمع البيان 65 : 457 .

(78)

قـالت : دخل عليَّ رسول اللّه يوماً وأنا أبكي ، فقال لي : ما لكِ ـ وكان يلطف بي ويكرمني ـ فقلتُ له : أزواجك يقلن لي : يا بنت اليهودي ويفخرن عَلي ! فغضب رسول اللّه وقال : إذا فاخروك أو قالوا لك ذلك فقولي لهنّ : أبي هارون ، وعمّي موسى(1) .

 

 

تاريخ حرب خيبر :

        قال ابن اسحاق : رجع رسول اللّه من الحُديبية في ذي الحجة فأقام بالمدينة ( بقيّة ) ذي الحجة وبعض المحرم ، ثم خرج إلى خيبر في بقية المحرم(2) وبه قال الطبري(3) والمسعودي(4) .

        وذكر الطبْرسي مدة محاصرتهم فقال : حاصرهم رسول اللّه بضعاً وعشرين ليلة . ذكر الواقدي : أ نّها كانت أول سنة سبع من الهجرة(5) .

 

        وروى الواقدي عن رواته قالوا : أقام رسول اللّه بالمدينة بقية ذي الحجة والمحرم ، وخرج في صفر سنة سبع . ثم قال : ويُقال : لهلال ربيع الأوّل(6) وأقام بالرجيع سبعة أيام(7) وعلى حصن النطاة عشرة أيام(8) وعلى حصن الصّعب بن مُعاذ


(1) مغازي الواقدي 2 : 675 .

(2) سيرة ابن هشام 3 : 342 .

(3) الطبري 2 : 657 و 3 : 9 عن ابن اسحاق نفسه .

(4) التنبيه والاشراف : 222 .

(5) إعلام الورى 1 : 207 .

(6) مغازي الواقدي 2 : 634 .

(7) المصدر نفسه : 645 و 647 و 687 .

(8) المصدر نفسه : 659 .

(79)

ثلاثة أيام(1) ثم أقاموا أكثر من شهر(2) منها ثلاثة أيام محاصرة قلعة الزَّبير(3) وحاصرهم في الكتيبة ـ وفيها القموص ـ والوطيح وسُلالِم أربعة عشر يوماً(4) فلعله خرج في منتصف محرم ورجع لهلال ربيع الأوّل .

 

        وقد مرّ في آخر السنة السادسة خبر الطبري عن الواقدي في إرسال رسل رسول اللّه إلى الملوك والاُمراء في ذي الحجة ، وفيهم دحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر الروم(5) واستبعدنا أن يكون سفره في ذي الحجة وقد حضر خيبر(6) فرجّحنا تأجيل خبره إلى ما بعد خيبر . بل انّ خبر رجوعه من الشام يستتبع سرية زيد بن حارثة إلى حِسمى في جمادى الآخرة سنة ( سبع )(7) وحيث أنّ كتاب النبيّ إلى فارس كان إلى خسرو پرويز .

        وقد نقل الطبري عن الواقدي أن قتل خسروپرويز كان لعشر مضين أو بقين من جمادى الاُولى سنة سبع(8) ، إذا فيبدو أن كتابه إلى فـارس كـان قبل الروم ، فنبدأ به .

 


(1) المصدر نفسه : 660 و 662 .

(2) المصدر نفسه : 665 .

(3) المصدر نفسه : 666 .

(4) المصدر نفسه : 670 .

(5) الطبري 2 : 644 .

(6) مغازي الواقدي 2 : 674 وابن هشام 3 : 345 .

(7) مغازي الواقدي 2 : 555 وفيه سنة ست خطأ ، فإنّ الكتب كانت في السابعة .

(8) الطبري 2 : 656 .

(80)

 

وكتب إلى كسرى :

        وكسرى مُعرّب كلمة « خسرو » بالفارسية بمعنى العظيم ، وليس علَماً لأحدهم وإنّما هو لقب عام للملوك الساسانيين . وكسرى هذا الذي كتب إليه النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله هو خسرو پرويز بن هرمز الساساني كما سيلي :

        روى الطبري عن ابن اسحاق ـ وليس في السيرة ـ عن يزيد بن حبيب قال : بعث رسول اللّه عبد اللّه بن حُذافة السهمي إلى كسرى بن هرمز ملك فارس ، وكتب معه :

        بسم اللّه الرحمن الرحيم ، من محمد رسول اللّه ، إلى كِسرى عظيم فارس ، سلام على من اتبع الهدى وآمن باللّه ورسوله ، وشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له ، وأنّ محمداً عبده ورسوله . وأدعوك بدعاء اللّه ، فإنّي أنا رسول اللّه إلى الناس كافة ، لاُنذر من كان حيّاً ويحقّ القول على الكافرين ! فأسلم تَسلَم ، فإن أبيت فإنّ إثم المجوس عليك !

        فلما قدم عبد اللّه بن حُذافة بكتاب رسول اللّه على كسرى ، وقرأه ، شقّه(1) وقال : يكتب إليّ هذا وهو عبدي ! ثم كتب كسرى إلى باذان ـ على اليمن ـ أن : ابعث على هذا الرجل الذي بالحجاز رجلين من عندك جلْدين فيأتياني به .

        فبعث باذان قهرمانه بابويه وكان حاسباً وكاتباً بكتاب فارس ، ورجلاً آخر يدعى خور خسرو ، وكتب معهما إلى رسول اللّه يأمره أن يذهب معهما إلى كسرى . فخرجا حتى قدما الطائف ، فعرف خبرهما رجال من قريش كانوا بالطائف ففرحوا واستبشروا وقال بعضهم لبعض : أبشروا ! كُفيتم الرجل ، فقد نصِب له كِسرى ملك


(1) وقال اليعقوبي : قيل : لما وصل إليه الكتاب ـ وكان قدرَ ذراع أدَمٍ ـ قدّه شُتوراً ، أي طولاً . اليعقوبي 2 : 77 .

(81)

الملوك ! فخرجا حتى قدما المدينة ودخلا على رسول اللّه ، وقد حلقا لحاهما وأعفيا شواربهما فظهر الكُره على رسول اللّه ، وتكلم بابويه فقال : إنّ الشاهنشاه ملك الملوك كسرى قد كتب إلى الملك باذان يأمره أن يبعث إليك من يأتيه بك . وقد بعثني إليك لتنطلق معي ، فإن فعلتَ كتب ( باذان ) إلى ملك الملوك يكفّه عنك وينفعك ! وإن أبيت ، فهو مهلكك ومُهلك قومَك ومخرّب بلادك ! وأقبل رسول اللّه عليهما فقال : ويلكما ! من أمركما بهذا ؟ ( يعني حلق لحاهما ) . فقالا : ربّنا ـ يعنيان كسرى(1) ـ أمرنا بهذا . فقال رسول اللّه : لكنّ ربّي قد أمرني باعفاء لحيتي وقصّ شاربي . ثم قال لهما : ارجعا حتى تأتياني غداً .

 

        وأتى رسولَ اللّه الخبر من السماء : أنّ اللّه قد سلّط على كِسرى ابنه شيرويه فقتله بعدما مضى كذا من ليلة كذا في شهر كذا . فدعاهما فأخبرهما . فقالا : إنّا كنا قد نقِمنا عليك ما هو أيسر من هذا ، فهل تدري ما تقول ؟ ! أفنكتب عنك هذا ونخبر به الملك ؟ ! فقال : نعم ، أخبراه بذلك عنّي وقولا له : إنّ ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ ملك كِسرى ، وينتهي إلى منتهى الخُفّ والحافر ! وقولا له : انّك إن أسلمت أعطيتك ما تحت يديك ، وملّكتك على قومك من الأبناء(2) . ثم أخذ منطقة فيها قِطع من ذهب وفضة كان أهداها له بعض الملوك(3) فأعطاها إلى خور خسرو ، وخرجا من عنده ..



(1) أو باذان ، أو بادان ، حسب الأصل الفارسي ، أو بادام ، كما في المسعودي . وذلك لأنّ كسرى نفسه كان ملتحياً كما في صوره على مسكوكاته النقدية . وانظر المصادر في هامش الصفحة 100 من العدد 4 من السنة الاُولى لمجلة : وقف ميراث جاويدان بالفارسية .

(2) الأبناء : أبناء الجيش الساساني المُرسل مع سيف بن ذي يزن لانقاذ اليمن من الأحباش ، المولّدون في اليمن والمستعربون فيه .

(3) لعلّها من هدايا المقوقس المصري أو النجاشي الحبشي .

(82)

        فلما قدما على باذان أخبراه الخبر فقال : واللّه ما هذا بكلام ملك ، وإ نّي لأرى الرجل نبيّاً كما يقول ، فلننتظرنّ ما قال ، فلئن كان هذا حقاً ما فيه كلام فانّه لنبيٌّ مرسل ، وإن لم يكن ، فسنرى فيه رأينا .

 

        وقال بابويه لباذان : وما كلّمت رجلاً قطّ أهيب عندي منه ! فقال له باذان : هل كانت معه شرطة ؟ قال : لا . فلم يقم باذان من مقامه حتى قدم عليه كتاب شيرويه .

        أما بعد ، فإ نّي قد قتلت كسرى ، ولم أقتله إلاّ غضباً لفارس لما كان استحلّ من قتل أشرافهم ، وتجميرهم(1) في ثغورهم . فإذا جاءك كتابي هذا فخذ لي الطاعة مِمّن قِبَلك . وانظر الرجل الذي كان كِسرى كتب فيه إليك ، فلا تُهجه حتى يأتيك أمري فيه .

        فلمّا قرأ الكتاب قال : إنّ هذا الرجل لرسولٌ ! فأسلم . وأسلم من كان معه باليمن من أبناء فارس . ولما رجع عبد اللّه بن حُذافة وأخبر رسول اللّه أنّ كِسرى قد شق الكتاب ، قال : مُزّق ملكه !

        قال الواقدي : وكان قتلُ شيرويه أباه كسرى لستّ ساعات ( ؟ ! ) مضين من ليلة الثلاثاء لعشر ليال مضين ( أو بقين ) من جُمادى الاُولى من سنة سبع(2) .



(1) التجمير : الحبس في الثغور .

(2) الطبري 2 : 654 ـ 657 وانظر سائر المصادر في كتاب : مكاتيب الرسول 1 : 90 ـ 97 . ونقل مختصر الخبر الحلبي في المناقب 1 : 79 ، 80 عن مجالس المامطيري وأعلام النبوة للماوردي . والمجلسي في بحار الأنوار 20 : 389 ـ 391 عن المنتقى للكازروني عن ابن اسحاق كما في الطبري . وانظر بالفارسية بحثاً ضافياً فيه في مجلة : وقف ميراث جاويدان 4 : 91 ـ 101 . î؛

    وفي خلال الحرب العالمية الاُولى عُرض جلد مدبوغ قديم 21×31 سم وفيه شق بطوله وفيه خمسة عشر سطراً بتوقيع : محمد رسول اللّه إلى كسرى عظيم فارس ، اشتراه هانري فرعون وزير خارجية لبنان الأسبق بمبلغ 150 ليرة ذهبية ( عثمانية ظ ) وهو لا زال في خزانته النفيسة في بيروت . وقد أرّخوا لقتل پرويز بالميلادي 628 وهو يوافق أواخر السنة السادسة وأوائل السابعة للهجرة .

(83)

 

تذكير بمناسبة :

        مرّ في معنى « الفتح » في نزول « سورة الفتح » عند صلح الحديبية أ نّه ظهر معه مصداق قوله سبحانه : « ... وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ للّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللّه ... »(1) . وعن المسعودي : أنّ القائد الفارسي شهر بَراز صاحب پرويز انكشف هو ومن معه من الفرس عن الروم(2) فأغارت الروم على مملكة الفرس في العراق فقتلت وسبت . على خلاف بينه وبين ابن العبري حيث قال المسعودي : إنّ پرويز احتال على هِرقل بحيلة ردّه بها عن مدينته ( طيسفون = المدائن ) إلى القسطنطينية(3) بينما أضاف ابن العبري : أن هِرقل والروم افتتحوا مدينة كِسرى ( مدائن كِسرى = طيسفون ) وسبوا منها خلقاً كثيراً وانصرفوا(4) .

        والهزيمة المادية تلازم هزيمة معنوية ، فلعلّ رسول اللّه رآها فرصة مناسبة لدعوة پرويز المستكبر المنكسر إلى التخلّي عن دينه المنهزم لقبول الإسلام .

 


(1) الروم : 3 ـ 5 .

(2) التنبيه والاشراف : 222 .

(3) التنبيه والاشراف : 135 .

(4) تاريخ مختصر الدول : 92 .

(84)

        وأيضاً رأى من المناسب أن يدعو النصارى لدينه ، ليقول لهم وللمشركين إنّ فرح المؤمنين بانتصارهم على عدوّهم الفرس ليس اذعاناً بالحق لهم ، إلاّ نسبيّاً . ولعلّ دعوته للنصارى ـ حاشا النجاشي ـ كانت بعد تشديده على أندادهم اليهود وانتصاره عليهم ، كنقطة قوة له ، وتقريباً للنصارى .

فهرس الکتاب  
URL http://www.yousofi.info/ar/book_964-5662-19-2_y07-p08.htm